أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
502
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
إلى المخاطب ، وإمّا للإبهام بالنسبة إلى أنه أبهم على المخاطبين . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 107 إلى 108 ] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ( 108 ) قوله : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا : قرأ نافع وابن عامر « الذين اتّخذوا » بغير « واو » . والباقون بواو العطف . فأما قراءة نافع وابن عامر فلموافقة مصاحفهم ، فإنّ مصاحف المدينة والشام حذفت منها « الواو » ، وهي ثابتة في مصاحف غيرهم . و « الَّذِينَ » على قراءة من أسقط « الواو » قبلها فيها أوجه : أحدها : أنها بدل من « آخَرُونَ » . قبلها . وفيه نظر ، لأن هؤلاء الذين اتّخذوا مسجدا ضرارا ، لا يقال في حقهم : إنّهم مرجون لأمر اللّه ، لأنه يروى في التفسير أنهم من كبار المنافقين ، كأبي عامر الراهب . الثاني : أنه مبتدأ ، وفي خبره حينئذ أقوال . أحدها : أنه « أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ » - والعائد محذوف ، تقديره : بنيانه منهم . الثاني : أنه لا يزال بنيانهم - قاله النحاس ، والحوفيّ . وفيه بعد ، لطول الفصل . الثالث : أنه « لا تَقُمْ فِيهِ » - قاله الكسائي . قال ابن عطية : « ويتجه بإضمار ، إما في أول الآية ، وإمّا في آخرها ، بتقدير : لا تقم في مسجدهم » . الرابع : أن الخبر محذوف ، تقديره : يعذبون ، ونحوه ، قاله المهدوي . الوجه الثالث : أنه منصوب على الاختصاص ، وسيأتي هذا الوجه أيضا في قراءة الواو . وأما قراءة « الواو » ففيها ما تقدم ، إلّا أنه يمتنع وجه البدل من « آخَرُونَ » - لأجل العاطف . وقال الزمخشري : « فإن قلت : « وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا » ما محله من الإعراب ؟ قلت : محله النصب على الاختصاص ، كقوله تعالى : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ . وقيل : هو مبتدأ ، وخبره محذوف ، معناه : فيمن وصفنا الذين اتّخذوا ، كقوله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ : قلت : يريد على مذهب سيبويه ، فإنّ تقديره : فيما يتلى عليكم السارق ، فحذف الخبر ، وأبقى المبتدأ ، كهذه الآية . قوله : ضِراراً فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مفعول من أجله ، أي : مضارة لإخوانهم . الثاني : أنه مفعول ثان ل « اتَّخَذُوا » ، قاله أبو البقاء . الثالث : أنه مصدر في موضع الحال من فاعل « اتَّخَذُوا » ، أي : اتّخذوه مضارين لإخوانهم . ويجوز أن